خطبة الجمعة عن: الصبر ضياء ونجاة
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
معاشر المسلمين،
إن الحياة الدنيا التي نسعى في أكنافها ليست دار نعيم مقيم، ولا قرار أمن دائم، بل هي دار ابتلاء ومحنة، وكبد وعناء. قال ربنا جل وعلا محذراً ومبشراً: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
فالابتلاء سنة ماضية لا تستثني أحداً، والناس فيها أطباق شتى؛ فمنهم من جُزِع فسخط فخاب وحسر، ومنهم من صابر فاحتسب ففاز وأفرَح. والصبر في دين الله ليس مجرد استسلام للواقع الأليم، بل هو جبلة نفسية وإيمانية صلبة تُبقي العبد واقفاً بثبات حين تميد الأرض من تحته.
عباد الله،
لقد أثنى الله تبارك وتعالى على الصابرين ثناءً عَطِراً، وجعلهم في أرفَع المنازل، وأخبر سبحانه أنه معهم بعونه وتوفيقه وهدايته، فقال جل في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وهل فوق معية الله عز وجل من غايةٍ تُطلب أو كنزٍ يُرجى؟
وتأملوا معي قول نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم في عظم هذا الخلق العظيم، حيث يقول عليه الصلاة والسلام: «وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر» [رواه البخاري ومسلم]. إن العطاءات الدنيوية تزول، والأموال تفنى، والصحة تتراجع، ولكن رصيد الصبر يبقى مَدخراً في صحائف العبد، يلقى به ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أيها الإخوة في الله،
واعلموا أن الصبر أنواع ثلاثة، وكلها تدور حول مدار العبودية الحقَّة:
أولها: الصبر على طاعة الله، فإن النفس أمارة بالسوء، والعبادة تثقل عليها أحياناً، وتحتاج إلى مغالبة ومجاهدة حتى تؤدى على وجهها الأكمل.
وثانيها: الصبر عن محارم الله، وهو العفاف والنزاهة حين تفتح أبواب الفتن وتزين الشهوات، وحينها يقول العبد الصادق: إني أخاف الله رب العالمين.
وثالثها: الصبر على أقدار الله المؤلمة، من فقد عزيز، أو مرض جسد، أو ضيق رزق، وهو الصبر عند الصدمة الأولى الذي يورث رضا القلوب وطمأنينة النفوس.
ولقد ضرب لنا الأنبياء والمرسلون أروع الأمثلة في الصبر الجميل؛ فهذا نبي الله أيوب عليه السلام يبتلى في جسده وماله وولده سنين عديدة، فما وهن لما أصابه وما ضعف، بل تجرد لربه منيباً صابراً، فقال الله تعالى مادحاً إياه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. وهذا نبي الله يعقوب عليه السلام يبتلى بفقد أحب أبنائه، ثم يفقد الآخر، فيقول بقلب يعتصم باليقين: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ حَمْداً طَيِّباً كَثِيراً مُبارَكاً فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، وَأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وَأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
عباد الله،
فاتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن عاقبة الصبر محمودة، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج يأتي مع الكرب. وإننا في خضم هذه الحياة بما تحمله من تقلبات، حري بنا أن نلزم غرز الصبر والاحتساب.
فأوصيكم قبل انفضاض هذا الجمع بثلاث:
الأولى: استشعار معية الله في كل ضيق وشدة، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك.
الثانية: الالتجاء إلى الدعاء والصلوات، والاستعانة بهما على نوائب الدهر، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: 45].
الثالثة: اليقين بأن العسر لا يدوم، وأن مع العسر يسراً، فلن يغلب عسر يسرين.
- اللهم إنا نسألك صبراً جميلاً، وفرجاً قريباً، وثباتاً على الأمر، وعزيمة على الرشد.
- اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
- اللهم ارحم موتانا، واشف مرضانا، وفرج كهمومنا، واقض ديوننا، واستر عوراتنا، وآمن روعاتنا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون، وأقيموا الصلاة.

0تعليقات